ابن قيم الجوزية
576
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ولم يذكر ما يلعب ويلهو به ، وإما إرادة الإطلاق ، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا ، من مال أو جاه أو عبيد . أو إماء أو بناء ، أو غراس ، أو علم لا يبتغى به وجه اللّه ، أو عمل لا يقر به إلى اللّه . فكل هذا من التكاثر الملهي عن اللّه والدار الآخرة . وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللّه ابن الشخّير أنه قال : « انتهيت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم : مالي ، مالي ، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت ، أو أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ؟ » . ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا ، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا ، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا ، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له ، وخسر هنالك تكاثره . كما خسره أمثاله . وبدا له من اللّه ما لم يكن في حسابه ، وصار تكاثره الذي شغله عن اللّه والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه ، فعذب بتكاثره في دنياه ، ثم عذب به في البرزخ ، ثم يعذب به يوم القيامة . فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه ، ثم عذب في البرزخ ، ثم يعذب به يوم القيامة . فكان أشقي الناس بتكاثره . إذ أفاد منه العطب ، دون الغنيمة والسلامة . فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين ، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين . فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا ، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر ، وخيرا توصل به إلى كل شر ، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه . يا ليتني قدمت لحياتي ، وعملت فيه بطاعة اللّه قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها تلك كلمته يقولها . فلا يعول عليها . ورجعته يسألها ، فلا يجاب إليها . وتأمل قوله أولا « رب » استغاث بربه ، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى ، وقال : « ارجعوني » ثم ذكر سبب سؤال الرجعة . وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه